Hadith Search the texts and narrators

Sharh Maani al-Athar

Abu Jafar al-Tahawi · d. 321 AH · 7,411 hadith · تحقيق محمد سيد جاد الحق ومحمد زهري النجار

  1. 607
    حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ، قَالَ: ثنا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَاجَ إِلَى مَاءٍ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا النَّبِيذُ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ , وَمَاءٌ طَهُورٌ» فَتَوَضَّأَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا نَبِيذَ التَّمْرِ فِي سَفَرِهِ تَوَضَّأَ بِهِ , وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآثَارِ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَقَالُوا: لَا يُتَوَضَّأُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ , وَمَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ , تَيَمَّمَ , وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَبُو يُوسُفَ وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لِأَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى أَهْلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ إِنَّمَا رُوِيَ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ , مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي وَصَفْنَا , وَلَيْسَتْ هَذِهِ الطُّرُقُ , طُرُقًا تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ عِنْدَ مَنْ يَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ , وَلَمْ يَجِئْ , أَيْضًا الْمَجِيءَ الظَّاهِرَ. فَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَسْتَعْمِلُ الْخَبَرَ إِذَا تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ بِهِ. فَهَذَا مِمَّا لَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ , لِمَا ذَكَرْنَا , عَلَى مَذْهَبِ الْفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا. وَلَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ , مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللهِ , لَمْ يَكُنْ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَتئِذٍ
  2. 608
  3. 609
    حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا وَهْبٌ، عَنْ شُعْبَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ بِإِسْنَادِهِ فَلَمَّا انْتَفَى عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَتئِذٍ , وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَى مِثْلِهِ , بَطَلَ بِذَلِكَ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ مِمَّا يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ لَيْلَتئِذٍ , إِذْ كَانَ مَعَهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الْآثَارُ الْأُوَلُ أَوْلَى مِنْ هَذَا لِأَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ , وَهَذَا مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ , لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ احْتَجَجْنَا بِكَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ , إِنَّمَا احْتَجَجْنَا بِهِ لِأَنَّ مِثْلَهُ , عَلَى تَقَدُّمِهِ فِي الْعِلْمِ , وَمَوْضِعِهِ مِنْ عَبْدِ اللهِ , وَخُلْطَتِهِ لِخَاصَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا مِنْ أُمُورِهِ. فَجَعَلْنَا قَوْلَهُ ذَلِكَ حُجَّةً فِيمَا ذَكَرْنَاهُ , لَا مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي وُضِعَتْ. وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ كَلَامِهِ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ , مَا قَدْ وَافَقَ مَا قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ
  4. 610
  5. 611
    حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ , قَالَ: ثنا أَسَدٌ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: ثنا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَامِرٍ , عَنْ عَلْقَمَةَ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: هَلْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ أَحَدٌ؟ فَقَالَ: لَمْ يَصْحَبْهُ مِنَّا أَحَدٌ , وَلَكِنْ فَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ , فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ أَوِ اغْتِيلَ فَتَفَرَّقْنَا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ نَلْتَمِسُهُ , وَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ نَقُولُ: اسْتُطِيرَ , أَمِ اغْتِيلَ. فَقَالَ: «إِنَّهُ أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ , فَذَهَبْتُ أُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ فَأَرَانَا آثَارَهُمْ» فَهَذَا عَبْدُ اللهِ قَدْ أُنْكِرَ أَنْ يَكُونَ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ. فَهَذَا الْبَابُ إِنْ كَانَ يُؤْخَذُ مِنْ طَرِيقِ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ , فَهَذَا الْحَدِيثُ , الَّذِي فِيهِ الْإِنْكَارُ أَوْلَى , لِاسْتِقَامَةِ طَرِيقِهِ وَمَتْنِهِ , وَثَبْتِ رُوَاتِهِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ , فَإِنَّا قَدْ رَأَيْنَا الْأَصْلَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ , أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ بِنَبِيذِ الزَّبِيبِ , وَلَا بِالْخَلِّ , فَكَانَ النَّظَرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ نَبِيذُ التَّمْرِ أَيْضًا كَذَلِكَ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ إِذَا كَانَ مَوْجُودًا فِي حَالِ وُجُودِ الْمَاءِ , أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ. فَلَمَّا كَانَ خَارِجًا مِنْ حُكْمِ الْمِيَاهِ فِي حَالِ وُجُودِ الْمَاءِ , كَانَ كَذَلِكَ هُوَ فِي حَالِ عَدَمِ الْمَاءِ. وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي فِيهِ التَّوَضُّؤُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ إِنَّمَا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ بِهِ , وَهُوَ غَيْرُ مُسَافِرٍ لِأَنَّهُ إِنَّمَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يُرِيدُهُمْ , فَقِيلَ إِنَّهُ تَوَضَّأَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ , وَهُوَ فِي حُكْمِ مَنْ هُوَ بِمَكَّةَ , لِأَنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ , فَهُوَ أَيْضًا فِي حُكْمِ اسْتِعْمَالِهِ ذَلِكَ النَّبِيذَ هُنَالِكَ فِي حُكْمِ اسْتِعْمَالِهِ إِيَّاهُ بِمَكَّةَ. فَلَوْ ثَبَتَ هَذَا الْأَثَرُ أَنَّ النَّبِيذَ مِمَّا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ فِي الْأَمْصَارِ وَالْبَوَادِي , ثَبَتَ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ لَا بِهِ فِي حَالِ وُجُودِ الْمَاءِ , وَفِي حَالِ عَدَمِهِ. فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ , وَالْعَمَلِ بِضِدِّهِ , فَلَمْ يُجِيزُوا التَّوَضُّؤَ بِهِ فِي الْأَمْصَارِ , وَلَا فِيمَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَمْصَارِ , ثَبَتَ بِذَلِكَ تَرْكُهُمْ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ , وَخَرَجَ حُكْمُ ذَلِكَ النَّبِيذِ , مِنْ حُكْمِ سَائِرِ الْمِيَاهِ. فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ , وَهُوَ النَّظَرُ عِنْدَنَا , وَاللهُ أَعْلَمُ
  6. 612
  7. 613
  8. 614
  9. 615
    حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ , وَوَهْبٌ قَالَا: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ: أَنَّهُ رَأَى عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَالَ قَائِمًا , ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ , فَتَوَضَّأَ , وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ , ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ , فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ , ثُمَّ صَلَّى " وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَقَالُوا: لَا نَرَى الْمَسْحَ عَلَى النَّعْلَيْنِ. وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْنِ تَحْتَهُمَا جَوْرَبَانِ , وَكَانَ قَاصِدًا بِمَسْحِهِ ذَلِكَ إِلَى جَوْرَبَيْهِ , لَا إِلَى نَعْلَيْهِ. وَجَوْرَبَاهُ مِمَّا لَوْ كَانَا عَلَيْهِ بِلَا نَعْلَيْنِ , جَازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا , فَكَانَ مَسْحُهُ ذَلِكَ مَسْحًا أَرَادَ بِهِ الْجَوْرَبَيْنِ , فَأَتَى ذَلِكَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ فَكَانَ مَسْحُهُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ هُوَ الَّذِي تَطَهَّرَ بِهِ , وَمَسْحُهُ عَلَى النَّعْلَيْنِ فَضْلٌ
  10. 616
  11. 617
  12. 618
    حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ اللِّهْبِيُّ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ وَنَعْلَاهُ فِي قَدَمَيْهِ , مَسَحَ عَلَى ظُهُورِ قَدَمَيْهِ بِيَدَيْهِ وَيَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ هَكَذَا» فَأَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ فِي وَقْتٍ مَا كَانَ يَمْسَحُ عَلَى نَعْلَيْهِ , يَمْسَحُ عَلَى قَدَمَيْهِ فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا مَسَحَ عَلَى قَدَمَيْهِ , هُوَ الْفَرْضُ , وَمَا مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ كَانَ فَضْلًا. فَحَدِيثُ أَبِي أَوْسٍ , يَحْتَمِلُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرَ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَسْحِهِ عَلَى نَعْلَيْهِ , أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ أَبُو مُوسَى , وَالْمُغِيرَةُ , أَوْ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ. فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ أَبُو مُوسَى وَالْمُغِيرَةُ , فَإِنَّا نَقُولُ بِذَلِكَ , لِأَنَّا لَا نَرَى بَأْسًا بِالْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ , إِذَا كَانَا صَفِيقَيْنِ قَدْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٌ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى , فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَرَى ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَا صَفِيقَيْنِ , وَيَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ , فَيَكُونَانِ كَالْخُفَّيْنِ. وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ , فَإِنَّ فِي ذَلِكَ إِثْبَاتَ الْمَسْحِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ , فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ , وَمَا عَارَضَهُ وَمَا نَسَخَهُ فِي بَابِ فَرْضِ الْقَدَمَيْنِ. فَعَلَى أَيِّ الْمَعْنَيَيْنِ كَانَ وَجْهُ حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ , مِنْ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُوسَى , وَالْمُغِيرَةِ , وَمِنْ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ , فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى النَّعْلَيْنِ. فَلَمَّا احْتَمَلَ حَدِيثُ أَوْسٍ مَا ذَكَرْنَا , وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى النَّعْلَيْنِ , الْتَمَسْنَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ , لِنَعْلَمَ كَيْفَ حُكْمُهُ؟ فَرَأَيْنَا الْخُفَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ جَوَّزَ الْمَسْحَ عَلَيْهِمَا إِذَا تَخَرَّقَا , حَتَّى بَدَتِ الْقَدَمَانِ مِنْهُمَا أَوْ أَكْثَرُ الْقَدَمَيْنِ , فَكُلٌّ قَدْ أَجْمَعَ أَنَّهُ لَا يُمْسَحُ عَلَيْهِمَا. فَلَمَّا كَانَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا غَيَّبَا الْقَدَمَيْنِ , وَيَبْطُلُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُغَيِّبَا الْقَدَمَيْنِ , وَكَانَتِ النَّعْلَانِ غَيْرَ مُغَيَّبَيْنِ لِلْقَدَمَيْنِ , ثَبَتَ أَنَّهُمَا كَالْخُفَّيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يُغَيِّبَانِ الْقَدَمَيْنِ
  13. 619
  14. 620
    حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا الْوَهْبِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا , عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بِنْتِ جَحْشٍ كَانَتِ اسْتُحِيضَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ. فَإِنْ كَانَتْ لَتَغْتَمِسُ فِي الْمِرْكَنِ , وَهُوَ مَمْلُوءٌ مَاءً , ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْهُ , وَإِنَّ الدَّمَ لِغَالِبِهِ , ثُمَّ تُصَلِّي " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا , ثُمَّ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرْوِيِّ فِي هَذِهِ الْآثَارِ , وَبِفِعْلِ أُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بِنْتِ جَحْشٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
  15. 621
    حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي النُّعْمَانُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ , وَأَبُو مَعْبَدٍ حَفْصُ بْنُ غَيْلَانَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، وَعَمْرَةُ , عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: " اسْتُحِيضَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بِنْتُ جَحْشٍ , فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِحَيْضَةٍ , وَلَكِنَّهُ عِرْقٌ فَتَقَهُ إِبْلِيسُ , فَإِذَا أَدْبَرَتِ الْحَيْضَةُ , فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي , وَإِذَا أَقْبَلَتْ , فَاتْرُكِي لَهَا الصَّلَاةَ» قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: فَكَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ , وَكَانَتْ تَغْتَسِلُ أَحْيَانًا فِي مِرْكَنٍ , فِي حُجْرَةِ أُخْتِهَا زَيْنَبَ , وَهِيَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَتَّى إِنَّ حُمْرَةَ الدَّمِ لِتَعْلُوَ الْمَاءَ , فَتُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا مَنَعَهَا ذَلِكَ مِنَ الصَّلَاةِ
  16. 622
  17. 623
  18. 624
  19. 626
    حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: ثنا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ، قَالَ: ثنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ امْرَأَةً، أَتَتِ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِكِتَابٍ , بَعْدَمَا ذَهَبَ بَصَرُهُ فَدَفَعَهُ إِلَى ابْنِهِ فَتَتَرْتَرَ فِيهِ , فَدَفَعَهُ إِلَيَّ فَقَرَأْتُهُ , فَقَالَ لِابْنِهِ: أَلَا هَذْرَمْتَهُ كَمَا هَذْرَمَهُ الْغُلَامُ الْمِصْرِيُّ؟ . فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , مِنِ امْرَأَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ , أَنَّهَا اسْتُحِيضَتْ , فَاسْتَفْتَتْ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ فَقَالَ: «اللهُمَّ لَا أَعْلَمُ الْقَوْلَ إِلَّا مَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي عُزْرَةُ , عَنْ سَعِيدٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْكُوفَةَ أَرْضٌ بَارِدَةٌ , وَأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ , فَقَالَ: «لَوْ شَاءَ اللهُ لَابْتَلَاهَا بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ
  20. 627
  21. 628
    حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خَاصَّةً مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: تَدَعُ الصَّلَاةَ , أَيَّامَ حَيْضِهَا. فَجَعَلَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ , أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا تُصَلِّي بِهِ الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَالْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا , وَتَغْتَسِلُ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا , تُصَلِّيهِمَا بِهِ , فَتُؤَخِّرُ الْأُولَى مِنْهُمَا , وَتُقَدِّمُ الْآخِرَةَ , كَمَا فَعَلَتْ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ , وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ غُسْلًا. وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى مَا
  22. 629
  23. 630
  24. 631
  25. 632
    حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ , إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَا كَذَا , فَلَمْ تُصَلِّ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ , هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ , لِتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ الْمَاءِ , فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا , ثُمَّ تَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا , وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ " فَقَوْلُهُ: «وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ» يَحْتَمِلُ أَنْ تَتَوَضَّأَ لِمَا يَكُونُ مِنْهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ الَّتِي تُوجِبُ نَقْضَ الطَّهَارَاتِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَتَوَضَّأَ لِلصُّبْحِ. فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ مَا تَقَدَّمَهُ , مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ. قَالُوا: فَهَذِهِ الْآثَارُ قَدْ رُوِيَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرْنَا , فِي جَمْعِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ , وَفِي جَمْعِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ , بِغُسْلٍ وَاحِدٍ , وَإِفْرَادِ الصُّبْحِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. فَبِهَذَا نَأْخُذُ , وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْآثَارِ الْأُوَلِ , الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا نَاسِخٌ لِذَلِكَ
  26. 633
  27. 634
  28. 635
  29. 636
  30. 637
  31. 638
  32. 639
  33. 640
  34. 641
  35. 642
  36. 643
  37. 644
    حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ: ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ , عَنِ ابْنِ وَهْبٍ , وَحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ , غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا , فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ , وَتَوَضَّئِي وَصَلِّي» فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِالْوُضُوءِ مَعَ أَمْرِهِ إِيَّاهَا بِالْغُسْلِ , فَذَلِكَ الْوُضُوءُ , هُوَ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ , فَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَلَيْسَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عِنْدَكُمْ , فِي هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , بِدُونِ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ. فَقَدْ ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا صِحَّةُ الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ فِي حَالِ اسْتِحَاضَتِهَا لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ. إِلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ. فَأَرَدْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ , لِنَعْلَمَ مَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ؟ فَكَانَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا رَوَيْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ , «أَنَّهُ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بِنْتَ جَحْشٍ بِالْغُسْلِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» فَقَدْ ثَبَتَ نَسْخُ ذَلِكَ , بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ , فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ الْوَهْبِيِّ , فِي أَمْرِ سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ , فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ. فَلَمَّا أَجْهَدَهَا ذَلِكَ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ , وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْغِشَاءِ , بِغُسْلٍ , وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ غُسْلًا " فَكَانَ مَا أَمَرَهَا بِهِ مِنْ ذَلِكَ , نَاسِخًا لَمَا كَانَ أَمَرَهَا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ , مِنَ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ. فَأَرَدْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ , كَيْفَ مَعْنَاهُ؟ فَإِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ , قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِيهِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الَّتِي اسْتُحِيضَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَلَفَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي ذَلِكَ. فَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْهُ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِذَلِكَ , وَأَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا. وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيْضًا , عَنْ أَبِيهِ , وَلَمْ يَذْكُرْ زَيْنَبَ , إِلَّا أَنَّهُ وَافَقَ الثَّوْرِيَّ فِي مَعْنَى مَتْنِ الْحَدِيثِ , فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ كُلِّ صَلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ فِي أَيَّامِ الِاسْتِحَاضَةِ خَاصَّةً. فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ أَيَّامَ الْحَيْضِ , كَانَ مَوْضِعُهَا مَعْرُوفًا. ثُمَّ جَاءَ شُعْبَةُ , فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا كَمَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ , وَابْنُ عُيَيْنَةَ , غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَيَّامَ الْأَقْرَاءِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ. فَلَمَّا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ كَمَا ذَكَرْنَا , فَاخْتَلَفُوا فِيهِ , كَشَفْنَاهُ , لِنَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ جَاءَ الِاخْتِلَافُ , فَكَانَ ذِكْرُ أَيَّامِ الْأَقْرَاءِ فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ عَنْ زَيْنَبَ , وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِ , عَنْ عَائِشَةَ , فَوَجَبَ أَنْ يَجْعَلَ رِوَايَتَهُ عَنْ زَيْنَبَ , غَيْرَ رِوَايَتِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَكَانَ حَدِيثُ زَيْنَبَ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الْأَقْرَاءِ , حَدِيثًا مُنْقَطِعًا لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْخَبَرِ لِأَنَّهُمْ لَا يَحْتَجُّونَ بِالْمُنْقَطِعِ وَإِنَّمَا جَاءَ انْقِطَاعُهُ , لِأَنَّ زَيْنَبَ لَمْ يُدْرِكْهَا الْقَاسِمُ وَلَمْ يُولَدْ فِي زَمَنِهَا , لِأَنَّهَا تُوُفِّيَتْ فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , وَهِيَ أَوَّلُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَاةً بَعْدَهُ. وَكَانَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا هُوَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْأَقْرَاءِ , إِنَّمَا فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْمُسْتَحَاضَةَ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ , عَلَى مَا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ , وَلَمْ يُبَيِّنْ أَيُّ مُسْتَحَاضَةٍ هِيَ؟ فَقَدْ وَجَدْنَا اسْتِحَاضَةً قَدْ تَكُونُ عَلَى مَعَانِي مُخْتَلِفَةٍ. فَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَاضَةٌ , قَدِ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ , وَأَيَّامُ حَيْضِهَا مَعْرُوفَةٌ لَهَا. فَسَبِيلُهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا , ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتَتَوَضَّأَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَاضَةٌ , لِأَنَّ دَمَهَا قَدِ اسْتَمَرَّ بِهَا , فَلَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا , وَأَيَّامُ حَيْضِهَا قَدْ خَفِيَتْ عَلَيْهَا. فَسَبِيلُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ , لِأَنَّهَا لَا يَأْتِي عَلَيْهَا وَقْتٌ إِلَّا احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ فِيهِ حَائِضًا أَوْ طَاهِرًا مِنْ حَيْضٍ أَوْ مُسْتَحَاضَةً , فَيُحْتَاطُ لَهَا فَتُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ. وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَاضَةٌ , قَدْ خَفِيَتْ عَلَيْهَا أَيَّامَ حَيْضِهَا , وَدَمُهَا غَيْرُ مُسْتَمِرٍّ بِهَا , يَنْقَطِعُ سَاعَةً , وَيَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ هَكَذَا هِيَ فِي أَيَّامِهَا كُلِّهَا. فَتَكُونُ قَدْ أَحَاطَ عِلْمُهَا أَنَّهَا فِي وَقْتِ انْقِطَاعِ دَمِهَا , إِذَا اغْتَسَلَتْ حِينَئِذٍ , غَيْرُ طَاهِرٍ مِنْ حَيْضٍ , طُهْرًا يُوجِبُ عَلَيْهَا غُسْلًا. فَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ فِي حَالِهَا تِلْكَ مَا أَرَادَتْ مِنَ الصَّلَوَاتِ بِذَلِكَ الْغُسْلِ إِنْ أَمْكَنَهَا ذَلِكَ. فَلَمَّا وَجَدْنَا الْمَرْأَةَ قَدْ تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً بِكُلِّ وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ , الَّتِي مَعَانِيهَا مُخْتَلِفَةٌ , وَأَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ , وَاسْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ يَجْمَعُهَا وَلَمْ نَجِدْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ذَلِكَ , بَيَانُ اسْتِحَاضَةِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا بِمَا ذَكَرْنَا , أَيُّ مُسْتَحَاضَةٍ هِيَ؟ لَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نَحْمِلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ , دُونَ غَيْرِهِ , إِلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّنَا عَلَى ذَلِكَ. فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ هَلْ نَجِدُ فِيهِ دَلِيلًا؟ فَإِذَا
  38. 645
  39. 646
    حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ، وَعَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ، قَالَا: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَا: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ فِرَاسٍ، وَبَيَانٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ فَلَمَّا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهَا الَّذِي أَفْتَتْ بِهِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ , وَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ , وَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ , وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَنْهَا ثَبَتَ بِجَوَابِهَا ذَلِكَ , أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ هُوَ النَّاسِخُ لِلْحُكْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا عَلَيْهَا أَنْ تَدَعَ النَّاسِخَ , وَتُفْتِيَ بِالْمَنْسُوخِ , وَلَوْلَا ذَلِكَ , لَسَقَطَتْ رِوَايَتُهَا. فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا هُوَ النَّاسِخُ لِمَا ذَكَرْنَا , وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ , وَلَمْ يَجُزْ خِلَافُهَا. هَذَا وَجْهٌ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَانِي هَذِهِ الْآثَارِ عَلَيْهِ. وَقَدْ يَجُوزُ فِي هَذَا وَجْهٌ آخَرُ , يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَاطِمَةَ ابْنَةِ أَبِي حُبَيْشٍ لَا يُخَالِفُ مَا رُوِيَ عَنْهُ , فِي أَمْرِ سَهْلَةَ ابْنَةِ سُهَيْلٍ لِأَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَبِي حُبَيْشٍ , كَانَتْ أَيَّامُهَا مَعْرُوفَةً , وَسَهْلَةَ كَانَتْ أَيَّامُهَا مَجْهُولَةً إِلَّا أَنَّ دَمَهَا يَنْقَطِعُ فِي أَوْقَاتٍ , وَيَعُودُ فِي أَوْقَاتٍ وَهِيَ قَدْ أَحَاطَ عِلْمُهَا أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنَ الْحَيْضِ بَعْدَ غُسْلِهَا إِلَى أَنْ صَلَّتِ الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَإِنَّا نَقُولُ بِالْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا , فَنَجْعَلُ حُكْمَ حَدِيثِ فَاطِمَةَ عَلَى مَا صَرَفْنَاهُ إِلَيْهِ , وَنَجْعَلُ حُكْمَ حَدِيثِ سَهْلَةَ , عَلَى مَا صَرَفْنَاهُ أَيْضًا إِلَيْهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا , فَقَدْ رُوِيَ مُخْتَلِفًا. فَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ , وَلَمْ يَذْكُرْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهَا بِذَلِكَ , لِيَكُونَ ذَلِكَ الْمَاءُ عِلَاجًا لَهَا , لِأَنَّهَا تُقَلِّصُ الدَّمَ فِي الرَّحِمِ , فَلَا يَسِيلُ. وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا , ثُمَّ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْعِلَاجَ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا , لِأَنَّ دَمَهَا سَائِلٌ دَائِمُ السَّيَلَانِ , فَلَيْسَتْ صَلَاةٌ إِلَّا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضٍ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيهَا إِلَّا بَعْدَ الِاغْتِسَالِ , فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ مَعْنَى حَدِيثِهَا , فَإِنَّا كَذَلِكَ نَقُولُ أَيْضًا فِيمَنِ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ , وَلَمْ تَعْرِفْ أَيَّامَهَا. فَلَمَّا احْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآثَارُ مَا ذَكَرْنَا وَرَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مِنْ قَوْلِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا وَصَفْنَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ , الَّتِي لَا تَعْرِفُ أَيَّامَهَا , وَثَبَتَ أَنَّ مَا خَالَفَ ذَلِكَ , مِمَّا رُوِيَ عَنْهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُسْتَحَاضَةٍ , اسْتِحَاضَتُهَا , غَيْرُ اسْتِحَاضَةِ هَذِهِ , أَوْ فِي مُسْتَحَاضَةٍ , اسْتِحَاضَتُهَا مِثْلُ اسْتِحَاضَةِ هَذِهِ. إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ، عَلَى أَيِّ الْمَعَانِي كَانَ، فَمَا رُوِيَ فِي أَمْرِ فَاطِمَةَ ابْنَةِ أَبِي حُبَيْشٍ , أَوْلَى لِأَنَّ مَعَهُ الِاخْتِيَارَ مِنْ عَائِشَةَ لَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ عَلِمَتْ مَا خَالَفَهُ , وَمَا وَافَقَهُ مِنْ قَوْلِهِ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ أَنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ أَنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا , ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إِنَّمَا اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُ فِي ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الِاسْتِحَاضَةِ الَّتِي أَفْتَى فِيهَا بِذَلِكَ. وَأَمَّا مَا رَوَوْا عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي اغْتِسَالِهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ , فَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهَا كَانَتْ تَتَعَالَجُ بِهِ. فَهَذَا حُكْمُ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الْآثَارِ , وَهِيَ الَّتِي يُحْتَجُّ بِهَا فِيهِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ وَزُفَرَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ , وَلَا يَعْرِفُونَ ذِكْرَ الْوَقْتِ فِي ذَلِكَ. فَأَرَدْنَا نَحْنُ أَنْ نَسْتَخْرِجَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ , قَوْلًا صَحِيحًا. فَرَأَيْنَاهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهَا إِذَا تَوَضَّأَتْ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ , فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ , فَأَرَادَتْ أَنْ تُصَلِّيَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ، أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لَهَا حَتَّى تَتَوَضَّأَ وُضُوءًا جَدِيدًا. وَرَأَيْنَاهَا لَوْ تَوَضَّأَتْ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ فَصَلَّتْ , ثُمَّ أَرَادَتْ أَنْ تَتَطَوَّعَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ كَانَ ذَلِكَ لَهَا مَا دَامَتْ فِي الْوَقْتِ. فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الَّذِي يَنْقُضُ تَطَهُّرَهَا هُوَ خُرُوجُ الْوَقْتِ , وَأَنَّ وُضُوءَهَا يُوجِبُهُ الْوَقْتُ لَا الصَّلَاةُ , وَقَدْ رَأَيْنَاهَا لَوْ فَاتَتْهَا صَلَوَاتٌ , فَأَرَادَتْ أَنْ تَقْضِيَهُنَّ كَانَ لَهَا أَنْ تَجْمَعَهُنَّ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ. فَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ يَجِبُ عَلَيْهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ , لَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَاتِ. فَلَمَّا كَانَتْ تُصَلِّيهِنَّ جَمِيعًا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ , ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْوُضُوءَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهَا , هُوَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ , وَهُوَ الْوَقْتُ. وَحُجَّةٌ أُخْرَى , أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا الطَّهَارَاتِ تَنْتَقِضُ بِأَحْدَاثٍ , مِنْهَا الْغَائِطُ , وَالْبَوْلُ. وَطِهَارَاتٍ تَنْتَقِضُ بِخُرُوجِ أَوْقَاتٍ , وَهِيَ الطَّهَارَةُ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ , يَنْقُضُهَا خُرُوجُ وَقْتِ الْمُسَافِرِ وَخُرُوجُ وَقْتِ الْمُقِيمِ. وَهَذِهِ الطَّهَارَاتُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا , لَمْ نَجِدْ فِيمَا يَنْقُضُهَا صَلَاةً , إِنَّمَا يَنْقُضُهَا حَدَثٌ , أَوْ خُرُوجُ وَقْتٍ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ طَهَارَةَ الْمُسْتَحَاضَةِ , طَهَارَةٌ يَنْقُضُهَا الْحَدَثُ وَغَيْرُ الْحَدَثِ. فَقَالَ قَوْمٌ: هَذَا الَّذِي هُوَ غَيْرُ الْحَدَثِ , هُوَ خُرُوجُ الْوَقْتِ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ فَرَاغٌ مِنْ صَلَاةٍ , وَلَمْ نَجِدِ الْفَرَاغَ مِنَ الصَّلَاةِ حَدَثًا فِي شَيْءٍ غَيْرَ ذَلِكَ , وَقَدْ وَجَدْنَا خُرُوجَ الْوَقْتِ حَدَثًا فِي غَيْرِهِ. فَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ أَنْ نَرْجِعَ فِي هَذَا الْحَدَثِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ , فَنَجْعَلَهُ كَالْحَدَثِ الَّذِي قَدْ أُجْمِعَ عَلَيْهِ وَوُجِدَ لَهُ أَصْلٌ وَلَا نَجْعَلَهُ كَمَا لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِ , وَلَمْ نَجِدْ لَهُ أَصْلًا. فَثَبَتَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ وَقْتِ صَلَاةٍ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ , رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى
  40. 647
  41. 648
  42. 649
  43. 650
  44. 651
  45. 652
  46. 653
  47. 654
    حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: ثنا أَسَدٌ قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: ثنا ابْنُ هُبَيْرَةَ , عَنْ حَنَشِ بْنِ عَبْدِ اللهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا شِفَاءً لِذِرْبَةِ بُطُونِهِمْ» قَالُوا: فَفِي ذَلِكَ تَثْبِيتُ مَا وَصَفْنَا أَيْضًا. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: أَبْوَالُ الْإِبِلِ نَجِسَةٌ , وَحُكْمُهَا حُكْمُ دِمَائِهَا لَا حُكْمُ أَلْبَانِهَا وَلُحُومِهَا. وَقَالُوا: أَمَّا مَا رَوَيْتُمُوهُ فِي حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ , فَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِلضَّرُورَةِ , فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّهُ مُبَاحٌ فِي غَيْرِ الضَّرُورَةِ , لِأَنَّا قَدْ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ أُبِيحَتْ فِي الضَّرُورَاتِ , وَلَمْ تُبَحْ فِي غَيْرِ الضَّرُورَاتِ , وَرُوِيَتْ فِيهَا الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
  48. 655
  49. 656
    وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خُشَيْشٍ، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا هَمَّامٌ، قَالَ: أنا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ " أَنَّ الزُّبَيْرَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ شَكَوْا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَمْلَ , فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ , فِي غَزَاةٍ لَهُمَا. قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَرَأَيْتُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَمِيصًا مِنْ حَرِيرٍ «فَهَذَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَدْ أَبَاحَ الْحَرِيرَ لِمَنْ أَبَاحَ لَهُ اللُّبْسَ مِنَ الرِّجَالِ , لِلْحَكَّةِ الَّتِي كَانَتْ بِمَنْ أَبَاحَ ذَلِكَ لَهُ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ عِلَاجِهَا , وَلَمْ يَكُنْ فِي إِبَاحَتِهِ ذَلِكَ لَهُمْ لِلْعِلَّةِ الَّتِي كَانَتْ بِهِمْ مَا يَدُلُّ أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْعِلَّةِ. فَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا أَبَاحَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعُرَنِيِّينَ لِلْعِلَلِ الَّتِي كَانَتْ بِهِمْ , فَلَيْسَ فِي إِبَاحَةِ ذَلِكَ لَهُمْ , دَلِيلٌ أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْعِلَلِ. وَلَمْ يَكُنْ فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ مَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ حَلَالًا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ , وَلَا أَنَّهُ عِلَاجٌ مِنْ بَعْضِ الْعِلَلِ. وَكَذَلِكَ حُرْمَةُ الْبَوْلِ فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ , لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ , أَنَّهُ حَرَامٌ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ. فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمْرِ» إِنَّهُ دَاءٌ وَلَيْسَ بِشِفَاءٍ «إِنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَشِفُّونَ بِهَا , لِأَنَّهَا خَمْرٌ , فَذَلِكَ حَرَامٌ. وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ عَبْدِ اللهِ عِنْدَنَا إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ,» لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ " , إِنَّمَا هُوَ لَمَّا كَانُوا يَفْعَلُونَ بِالْخَمْرِ , لِإِعْظَامِهِمْ إِيَّاهَا. وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَهَا شِفَاءً فِي نَفْسِهَا , فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» فَهَذِهِ وُجُوهُ هَذِهِ الْآثَارِ. فَلَمَّا احْتَمَلَتْ مَا ذَكَرْنَا , وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الْأَبْوَالِ , احْتَجْنَا أَنْ نَرْجِعَ فَنَلْتَمِسَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَنَعْلَمَ كَيْفَ حُكْمُهُ؟ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ , فَإِذَا لُحُومُ بَنِي آدَمَ , كُلٌّ قَدْ أَجْمَعَ أَنَّهَا لُحُومٌ طَاهِرَةٌ وَأَنَّ أَبْوَالَهُمْ حَرَامٌ نَجِسَةٌ , فَكَانَتْ أَبْوَالُهُمْ بِاتِّفَاقِهِمْ مَحْكُومًا لَهَا بِحُكْمِ دِمَائِهِمْ , لَا بِحُكْمِ لُحُومِهِمْ. فَالنَّظَرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ أَبْوَالُ الْإِبِلِ , يَحْكُمُ لَهَا بِحُكْمِ دِمَائِهَا , لَا بِحُكْمِ لُحُومِهَا , فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ أَبْوَالَ الْإِبِلِ نَجِسَةٌ. فَهَذَا هُوَ النَّظَرُ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي ذَلِكَ. فَمِمَّا رُوِيَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَا
  50. 657