الحديث ابحث في المتون والرواةCtrl K

شرح معاني الآثار

أحمد بن محمد الطحاوي، ت ٣٢١هـ، ٧٬٤١١ حديث، تحقيق محمد سيد جاد الحق ومحمد زهري النجار

  1. ٣١٩٣
    حَدَّثَنَا عَلِيٌّ , قَالَ: ثنا رَوْحٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَهَذَا الصِّيَامُ الَّذِي يُجْزِئُ فِيهِ النِّيَّةُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ , الَّذِي جَاءَ فِيهِ الْحَدِيثُ , الَّذِي ذَكَرْنَا , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمِلَ بِهِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ بَعْدِهِ , هُوَ صَوْمُ التَّطَوُّعِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا «أَنَّهُ أَمَرَ النَّاسَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ بَعْدَمَا أَصْبَحُوا أَنْ يَصُومُوا» , وَهُوَ حِينَئِذٍ عَلَيْهِمْ صَوْمُهُ فَرْضٌ , كَمَا صَارَ صَوْمُ رَمَضَانَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فَرْضًا , وَرُوِيَتْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ آثَارٌ سَنَذْكُرُهَا فِي بَابِ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ , فِيمَا بَعْدَ هَذَا الْبَابِ , مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. فَلَمَّا جَاءَتْ هَذِهِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا , لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ بَعْضُهَا مُخَالِفًا لِبَعْضٍ , فَتَتَنَافَى , وَيَدْفَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا , مَا وَجَدْنَا السَّبِيلَ إِلَى تَصْحِيحِهَا , وَتَخْرِيجِ وَجْهِهَا. فَكَانَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ , فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ , فَكَذَلِكَ وَجْهُهُ عِنْدَنَا. وَكَانَ مَا رُوِيَ فِي عَاشُورَاءَ فِي الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي بِعَيْنِهِ. فَكَذَلِكَ حُكْمُ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ جَائِزُ أَنْ يُعْقَدَ لَهُ النِّيَّةُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَمِنْ ذَلِكَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضٌ فِي أَيَّامٍ بِعَيْنِهَا كَيَوْمِ عَاشُورَاءَ إِذَا كَانَ فَرْضًا فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ. فَكَمَا كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يُجْزِئُ مَنْ نَوَى صَوْمَهُ بَعْدَمَا أَصْبَحَ , فَكَذَلِكَ شَهْرُ رَمَضَانَ يُجْزِئُ مَنْ نَوَى صَوْمَ يَوْمٍ مِنْهُ كَذَلِكَ. وَبَقِيَ بَعْدَ هَذَا مَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ، عِنْدَنَا، فِي الصَّوْمِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ هَذَيْنِ الصَّوْمَيْنِ , مِنْ صَوْمِ الْكَفَّارَاتِ , وَقَضَاءِ شَهْرِ رَمَضَانَ , حَتَّى لَا يُضَادَّ ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ. وَيَكُونُ حُكْمُ النِّيَّةِ الَّتِي يَدْخُلُ بِهَا فِي الصَّوْمِ , عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. فَمَا كَانَ مِنْهُ فَرْضًا فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ , كَانَتْ تِلْكَ النِّيَّةُ مُجْزِئَةً قَبْلَ دُخُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي اللَّيْلِ , وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَيْضًا وَمَا كَانَ مِنْهُ فَرْضًا لَا فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ , كَانَتِ النِّيَّةُ الَّتِي يَدْخُلُ بِهَا فِيهِ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ , وَلَمْ تَجُزْ بَعْدَ دُخُولِ الْيَوْمِ. وَمَا كَانَ مِنْهُ تَطَوُّعًا كَانَتِ النِّيَّةُ الَّتِي يَدْخُلُ بِهَا فِيهِ فِي اللَّيْلِ الَّذِي قَبْلَهُ , وَفِي النَّهَارِ الَّذِي بَعْدَ ذَلِكَ. فَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي يُخَرَّجُ عَلَيْهِ الْآثَارُ الَّتِي ذَكَرْنَا , وَلَا تَتَضَادَّ , فَهُوَ أُولَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ. وَإِلَى ذَلِكَ كَانَ يَذْهَبُ أَبُو حَنِيفَةَ , وَأَبُو يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمُ اللهُ. إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ مَا كَانَ مِنْهُ يُجْزِئُ النِّيَّةُ فِيهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ , مِمَّا ذَكَرْنَا , فَإِنَّهَا تُجْزِئُ فِي صَدْرِ النَّهَارِ الْأَوَّلِ , وَلَا تُجْزِئُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ
  2. ٣١٩٤
  3. ٣١٩٥
    حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ , أَنَّ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ , لَا يَنْقُصَانِ , فَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ. فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَنْقُصَانِ , أَيْ لَا يَجْتَمِعُ نُقْصَانُهُمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ أَحَدُهُمَا. وَهَذَا قَوْلٌ قَدْ دَفَعَهُ الْعِيَانُ , لِأَنَّا قَدْ وَجَدْنَاهُمَا يَنْقُصَانِ فِي أَعْوَامٍ , وَقَدْ يُجْمَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَدَفَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ , بِهَذَا وَبِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ , أَنَّهُ قَالَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ: « صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ , وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ , فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ» . وَبِقَوْلِهِ: «إِنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ , وَقَدْ يَكُونُ ثَلَاثِينَ» . فَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ. وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَصْحِيحِ هَذِهِ الْآثَارِ كُلِّهَا , وَقَالُوا: أَمَّا قَوْلُهُ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ , وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» فَإِنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ , وَقَدْ يَكُونُ ثَلَاثِينَ , فَذَلِكَ كُلُّهُ كَمَا قَالَ , وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الشُّهُورِ كُلِّهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: «شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ , رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ» فَلَيْسَ ذَلِكَ، عِنْدَنَا، عَلَى نُقْصَانِ الْعَدَدِ , وَلَكِنَّهُمَا فِيهِمَا مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الشُّهُورِ , فِي أَحَدِهِمَا الصِّيَامُ , وَفِي الْآخَرِ الْحَجُّ. فَأَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمَا لَا يَنْقُصَانِ , وَإِنْ كَانَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ , وَهُمَا شَهْرَانِ كَامِلَانِ , كَانَا ثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ , لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَحْكَامَ فِيهِمَا , وَإِنْ كَانَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ , مُتَكَامِلَةٌ فِيهِمَا , غَيْرُ نَاقِصَةٍ عَنْ حُكْمِهَا إِذَا كَانَا ثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ. فَهَذَا وَجْهُ تَصْحِيحِ هَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ , وَاللهُ أَعْلَمُ
  4. ٣١٩٦
    حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , قَالَ: أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ , عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا " أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ احْتَرَقَ , فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ فَقَالَ: " وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ. فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِكْتَلٍ يُدْعَى الْعَرْقَ , فِيهِ تَمْرٌ , فَقَالَ: أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ؟ فَقَامَ الرَّجُلُ. فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَنْ وَقَعَ بِأَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ , فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ , فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ غَيْرُ الصَّدَقَةِ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَقَالُوا: بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً , أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ , أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا أَيَّ ذَلِكَ مَا شَاءَ فَعَلَ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ
  5. ٣١٩٧
  6. ٣١٩٨
    حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ , قَالَ: ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ , قَالَ: ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ , عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا , أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ , أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ صِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ , أَوْ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قَالُوا: فَإِنَّمَا أَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَاهُ مِمَّا أَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ , بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَهُ بِمَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ , مِمَّا بَيَّنَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ هَذَا. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ أَيْضًا , فَقَالُوا: بَلْ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ إِنْ كَانَ لَهَا وَاجِدًا , أَوْ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ , إِنْ كَانَ لِلرَّقَبَةِ غَيْرَ وَاجِدٍ , فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ , أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا. فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ قَدْ دَخَلَ فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا كَمَا ذَكَرُوا. وَأَصْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ذَلِكَ فِيهِ مِنَ التَّبْدِئَةِ بِالرَّقَبَةِ إِنْ كَانَ الْمُجَامِعُ , لَهَا وَاجِدًا , وَالتَّثْنِيَةِ بِالصِّيَامِ بَعْدَهَا , إِنْ كَانَ الْمُجَامِعُ , لِلرَّقَبَةِ غَيْرَ وَاجِدٍ , وَالتَّثْلِيثِ بِالْإِطْعَامِ بَعْدَهُمَا إِنْ كَانَ الْمُجَامِعُ ; لَهُمَا غَيْرَ وَاجِدٍ , هَكَذَا أَصْلُ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ فِي ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْهُ سَائِرُ النَّاسِ غَيْرَ مَالِكٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ , وَبَيَّنُوا فِيهِ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا كَيْفَ كَانَتْ , وَكَيْفَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَفَّارَةِ فِي ذَلِكَ
  7. ٣١٩٩
    حَدَّثَنِي فَهْدٌ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكْتُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلَكَ , مَا لَكَ» , قَالَ: " وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي , وَأَنَا صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟» فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ طَعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ , فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ , أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرْقٍ فِيهِ تَمْرٌ , وَالْعَرْقُ: الْمِكْتَلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا؟ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ» . فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَهْلٍ أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» قَالَ: فَصَارَتِ الْكَفَّارَةُ إِلَى عِتْقِ رَقَبَةٍ , أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ , أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا
  8. ٣٢٠٠
  9. ٣٢٠١
  10. ٣٢٠٢
  11. ٣٢٠٣
  12. ٣٢٠٤
  13. ٣٢٠٥
  14. ٣٢٠٦
    حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ , قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ , قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيُّ , عَنْ رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. فَقَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , فَذَكَرَ نَحْوَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْآصُعَ فَكَانَ مَا رَوَيْنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ دَخَلَ فِيهِ مَا فِي الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ , لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: " أَتَجِدُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا , قَالَ فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. قَالَ: مَا أَسْتَطِيعُ , قَالَ فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ ". فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِكُلِّ صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ لِمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِدًا لِلصِّنْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَهُ قَبْلَهُ. فَلَمَّا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرْقٍ فِيهِ تَمْرٌ , فَكَانَ ذِكْرُ الْعَرْقِ وَمَا كَانَ مِنْ دَفْعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ إِلَى الرَّجُلِ , وَأَمْرِهِ إِيَّاهُ بِالصَّدَقَةِ، هُوَ الَّذِي رَوَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي حَدِيثِهَا الَّذِي بَدَأْنَا بِرِوَايَتِهِ. فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هَذَا أَوْلَى مِنْهُ , لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَبْلَ الَّذِي فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا شَيْءٌ قَدْ حَفِظَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , وَلَمْ تَحْفَظْهُ عَائِشَةُ , فَهُوَ أَوْلَى , لِمَا قَدْ زَادَهُ. وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ , فَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا , وَقَدْ بَيَّنَّا الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْكَفَّارَةِ فِي الْإِفْطَارِ بِالْجِمَاعِ فِي الصِّيَامِ , فِي شَهْرِ رَمَضَانَ , مَا فِي حَدِيثِ مَنْصُورٍ , وَابْنِ عُيَيْنَةَ , وَمَنْ وَافَقَهُمَا , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ حُمَيْدٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٍ , رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى
  15. ٣٢٠٨
  16. ٣٢٠٩
  17. ٣٢١٠
  18. ٣٢١١
  19. ٣٢١٢
  20. ٣٢١٣
  21. ٣٢١٤
  22. ٣٢١٥
  23. ٣٢١٦
    حَدَّثَنَا فَهْدٌ , قَالَ: ثنا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيُّ , قَالَ: ثنا زُهَيْرٌ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنِ الْمُحَرَّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: «صُمْتُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ , فَأَمَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنْ أُعِيدَ الصِّيَامَ فِي أَهْلِي» وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: إِنْ شَاءَ صَامَ , وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ , وَلَمْ يُفَضِّلُوا فِي ذَلِكَ فِطْرًا عَلَى صَوْمٍ , وَلَا صَوْمًا عَلَى فِطْرٍ. وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى , فِيمَا احْتَجُّوا بِهِ عَلَيْهِمْ , فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا حَمَلُوهُ عَلَيْهِ. يَحْتَمِلُ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الَّذِي هُوَ أَبَرُّ الْبِرِّ , وَأَعْلَى مَرَاتِبِ الْبِرِّ , الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ , وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ بِرًّا إِلَّا أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْبِرِّ , أَبَرُّ مِنْهُ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ , وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ. قَالُوا: فَمَنِ الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ الَّذِي يَسْتَحْيِي أَنْ يَسْأَلَ , وَلَا يَجِدُ مَا يُغْنِيهِ , وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُعْطَى
  24. ٣٢١٧
  25. ٣٢١٨
  26. ٣٢١٩
  27. ٣٢٢٠
  28. ٣٢٢١
    حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا , حَدَّثَهُ , عَنْ أَبِي الزِّنَادِ , عَنِ الْأَعْرَجِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْلَهُ فَلَمْ يَكُنْ مَعْنَى قَوْلِهِ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَافِ» عَلَى مَعْنَى إِخْرَاجِهِ إِيَّاهُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَسْكَنَةِ كُلِّهَا , وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ لَيْسَ الْمِسْكِينَ الْمُتَكَامِلُ الْمَسْكَنَةَ , وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَكَامِلَ الْمَسْكَنَةِ , الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ , وَلَا يُعْرَفُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى إِخْرَاجِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِرًّا , وَلَكِنَّهُ عَلَى مَعْنَى لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الَّذِي هُوَ أَبَرُّ الْبِرِّ , الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ , لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْإِفْطَارُ هُنَاكَ أَبَرَّ مِنْهُ إِذَا كَانَ عَلَى التَّقَوِّي لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ , وَهُوَ أُولَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مَعْنَى هَذِهِ الْآثَارِ حَتَّى لَا تَتَضَادَّ هِيَ وَغَيْرُهَا , مِمَّا قَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا
  29. ٣٢٢٢
  30. ٣٢٢٣
  31. ٣٢٢٤
  32. ٣٢٢٥
  33. ٣٢٢٦
  34. ٣٢٢٧
  35. ٣٢٢٨
  36. ٣٢٢٩
  37. ٣٢٣٠
    حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ , عَنْ قَزَعَةَ , قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ عَنْ صِيَامِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ. فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ عَامَ الْفَتْحِ , فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ وَنَصُومُ , حَتَّى بَلَغَ مَنْزِلًا مِنَ الْمَنَازِلِ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ , وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ. فَأَصْبَحْنَا , مِنَّا الصَّائِمُ , وَمِنَّا الْمُفْطِرُ , ثُمَّ سِرْنَا فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا , فَقَالَ إِنَّكُمْ تُصَبِّحُونَ عَدُوَّكُمْ , وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ , فَأَفْطِرُوا فَكَانَتْ عَزِيمَةً مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَ ذَلِكَ
  38. ٣٢٣١
  39. ٣٢٣٢
  40. ٣٢٣٣
    حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ , عَنْ قَزَعَةَ بْنِ يَحْيَى , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَيْلَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ رَمَضَانَ , فَخَرَجْنَا صُوَّامًا حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ , فَأَمَرَنَا بِالْإِفْطَارِ , فَأَصْبَحْنَا , وَمِنَّا الصَّائِمُ , وَمِنَّا الْمُفْطِرُ. فَلَمَّا بَلَغْنَا مَرَّ الظُّهْرَانِ , أَعْلَمَنَا بِلِقَاءِ الْعَدُوِّ , وَأَمَرَنَا بِالْإِفْطَارِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ , إِثْبَاتُ جَوَازِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ , وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ تَرْكُهُ إِيَّاهُ إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ. أَفَيَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي ذَلِكَ الصَّوْمِ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِرًّا؟ لَا يَجُوزُ هَذَا وَلَكِنَّهُ بِرٌّ. وَقَدْ يَكُونُ الْإِفْطَارُ أَبَرَّ مِنْهُ إِذَا كَانَ يُرَادُ بِهِ الْقُوَّةُ لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ , الَّذِي أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفِطْرِ مِنْ أَجْلِهِ. وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللهُ أَعْلَمُ، «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ فِطْرَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمْرَهُ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ بَعْدَ صَوْمِهِ وَصَوْمِهِمُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ. نَاسِخٌ لِحُكْمِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ أَصْلًا. قِيلَ لَهُ: وَمَا دَلِيلُكَ عَلَى مَا ذَكَرْتَ؟ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ بَعْدَ إِفْطَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْآثَارِ , مُبَاحٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا , وَهُوَ أَحَدُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ فِي إِفْطَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرْنَا مَا حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو , عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ , عَنْ طَاوُسٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: «إِنَّمَا أَرَادَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ التَّيْسِيرَ عَلَيْكُمْ , فَمَنْ يَسُرَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ فَلْيَصُمْ , وَمَنْ يَسُرَ عَلَيْهِ الْفِطْرُ فَلْيُفْطِرْ
  41. ٣٢٣٤
    حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ , قَالَ: ثنا رَوْحٌ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: " إِنْ شَاءَ صَامَ , وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَجْعَلْ إِفْطَارَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ بَعْدَ صِيَامِهِ فِيهِ , نَاسِخًا لِلصَّوْمِ فِي السَّفَرِ , وَلَكِنَّهُ جَعَلَهُ عَلَى جِهَةِ التَّيْسِيرِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الَّذِي ذَكَرْتَهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ . قِيلَ لَهُ: مَعْنَى ذَلِكَ، عِنْدَنَا , وَاللهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي السَّفَرِ , كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي الْحَضَرِ. وَكَانَ حُكْمُ الْحَضَرِ وَحُكْمُ السَّفَرِ فِي ذَلِكَ، عِنْدَهُمْ، سَوَاءً حَتَّى أَحْدَثَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ الْفِعْلَ الَّذِي أَبَاحَهُ لَهُمُ الْإِفْطَارَ فِي أَسْفَارِهِمْ , فَأَخَذُوا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَهُمُ الْإِفْطَارَ عَلَى الْإِبَاحَةِ , وَلَهُمْ تَرْكُ الْإِفْطَارِ. فَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا هَذَا , وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي وَصَفْنَا , وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ قَرِيبًا , مِمَّا ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ , مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَهُ , مِثْلُ مَعْنَاهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا
  42. ٣٢٣٥
  43. ٣٢٣٦
  44. ٣٢٣٧
    حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ , قَالَ: ثنا رَوْحٌ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , قَالَ: سَمِعْتُ عَاصِمًا , يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ , وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ , وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ» وَكَانَ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَيْضًا أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى فِي دَفْعِهِمُ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ , مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ , مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصِّيَامَ.» قَالُوا: فَلَمَّا كَانَ الصِّيَامُ مَوْضُوعًا عَنْهُ , كَانَ إِذَا صَامَهُ , فَقَدْ صَامَهُ , وَهُوَ غَيْرُ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِ , فَلَا يُجْزِيهِ. فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لِلْآخَرِينَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الصِّيَامُ الَّذِي وَضَعَهُ عَنْهُ , هُوَ الصِّيَامُ الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ , كَمَا لَا بُدَّ لِلْمُقِيمِ مِنْ ذَلِكَ , وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ «وَعَنِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ» . أَفَلَا تَرَى أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ إِذَا صَامَتَا رَمَضَانَ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِيهِمَا أَوْ أَنَّهُمَا لَا تَكُونَانِ , كَمَنْ صَامَ قَبْلَ وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ بَلْ جَعَلَ مَا يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَيْهِمَا بِدُخُولِ الشَّهْرِ , فَجَعَلَ لَهُمَا , تَأْخِيرَهُ لِلضَّرُورَةِ وَالْمُسَافِرُ فِي ذَلِكَ مِثْلُهُمَا. وَهَذَا أُولَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ هَذَا الْأَثَرُ , حَتَّى لَا يُضَادَّ غَيْرَهُ مِنَ الْآثَارِ الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ. وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَى أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا لِأَهْلِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ , الَّتِي وَصَفْنَاهَا، أَنَّا قَدْ رَأَيْنَاهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ أَبَاحَ لَهُمُ الْإِفْطَارَ فِي السَّفَرِ يَصُومُونَ فِيهِ. فَمِمَّا رُوِيَ فِي ذَلِكَ
  45. ٣٢٣٨
  46. ٣٢٣٩
  47. ٣٢٤٠
  48. ٣٢٤١
  49. ٣٢٤٢
  50. ٣٢٤٣