Bayhaqi 20940
al-Sunan al-Kubra (al-Bayhaqi) · ت التركي، ط هجر
٢٠٩٤٠ - وقَد سَمِعتُ أبا حازِمٍ عُمَرَ بنَ أحمدَ العَبدُوِىَّ الحافظَ يقولُ: سَمِعتُ زاهِرَ بنَ أحمدَ السَّرَخْسِىَّ يقولُ: لما قَرُبَ حُضورُ أجَلِ أبى الحَسَنِ الأشعَرِىِّ رَحِمَه اللَّهُ فى دارِى ببَغدادَ دَعانِى فقالَ: اشْهَدْ علىَّ أنِّى لا أُكَفِّرُ أحَدًا مِن أهلِ هذه القِبلَةِ؛ لأنَّ الكُلَّ يُشيرونَ إلَى مَعبودٍ واحِدٍ، وإِنَّما هذا اختِلافُ العِباراتِ (١) . قال الشيخُ رَجمَه اللَّهُ: فمَن ذَهَبَ إلَى هذا زَعَمَ أنَّ هذا أيضًا مَذهَبُ الشّافِعِىِّ رَحِمَه اللَّهُ؛ ألا تَراه قال فى كِتابِ أدَبِ القاضِى: ذَهَبَ الناسُ مِن تأوُّلِ القُرآنِ والأحاديثِ والقياسِ، أو مَن ذَهَبَ مِنهُم، إلَى أُمورٍ اختَلَفوا فيها فتَبايَنوا فيها تَبايُنًا شَديدًا، واستَحَلَّ فيها بَعضُهُم مِن بَعضٍ بَعضَ ما تَطولُ حِكايَتُه، وكُلُّ ذَلِكَ مُتَقادِمٌ؛ مِنه ما كان فى عَهدِ السَّلَفِ وبَعدَهُم إلَى اليَومِ، فلَم نَعلَمْ أحَدًا مِن سَلَفِ هذه الأُمَّةِ يُقتَدَى به، ولا مِنَ التّابِعينَ بَعدَهُم، رَدَّ شَهادَةَ أحَدٍ بتأويلٍ وإِن خَطَأه وضَفَلَه. ثُمَّ ساقَ الكَلامَ إلَى أن قال: وشَهادَةُ مَن يَرَى الكَذِبَ شِركًا باللَّهِ أو مَعصيَةً له يوجِبُ عَلَيها النّارَ، أولَى أن تَطيبَ النَفسُ عَلَيها مِن شَهادَةِ مَن يُخَفِّفُ المأثَمَ فيها (٢) . قالوا: والَّذِى رُوِّينا عن الشّافِعِىِّ وغَيرِه مِنَ الأئمَّةِ مِن تكفيرِ هَؤُلاءِ المُبتَدِعَةِ فإِنَّما أرادوا به كُفرًا دونَ كُفرٍ، وهو كما قال اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: ٤٤] . قال ابنُ عباسٍ: إنَّه لَيسَ بالكُفرِ الَّذِى تَذهَبونَ إلَيه؛ إنَّه لَيسَ بكُفرٍ يَنقُلُ عن مِلَّةٍ، ولَكِنْ كُفرٌ دونَ كُفرٍ (٣) . قال الشيخُ رَحِمَه اللَّهُ: فكأنَّهُم أرادوا بتَكفيرِهِم ما ذَهَبوا إلَيه مِن نَفى هذه الصِّفاتِ التى أثبَتَها اللَّهُ تَعالَى لِنَفسِه، وجُحودِهِم لها بتأويلٍ بَعيدٍ مَعَ اعتِقادِهِم إثباتَ ما أثبَتَ اللَّهُ تَعالَى، فعَدَلوا عن الظّاهِرِ بتأويلٍ، فلَم يَخرُجوا به عن المِلَّةِ، وإِنْ كان التَّأويلُ خَطأً، كما لَم يَخرُجْ مَن أنكَرَ إثباتَ المُعَوِّذَتَينِ فى المَصاحِفِ كَسائرِ السّوَرِ مِنَ المِلَّةِ؛ لما ذَهَبَ إلَيه مِنَ الشُّبهَةِ، وإِن كانَت عِندَ غَيرِه خَطأً، والَّذِى رُوِّينا عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن قَولِه:
«القَدَريَّةُ مَجوسُ هذه الأُمَّةِ»
(١) فإنَّما سَمّاهُم مَجوسًا لمضاهاةِ بَعضِ ما يَذهَبونَ إلَيه مَذاهِبَ المَجوسِ فى قَولِهِم بالأصلَينِ؛ وهُما النّورُ والظُّلمَةُ، يَزعُمونَ أن الخَيرَ مِن فِعلِ النّورِ، وأنَّ الشَّرَّ مِن فِعلِ الظُّلمَةِ، فصاروا ثَنَويَّةً، كَذَلِكَ القَدَريَّةُ يُضيفونَ الخَيرَ إلَى اللَّهِ والشَّرَّ إلَى غَيرِه، واللَّهُ تَعالَى خالِقُ الخَيرِ والشَّرِّ، والأمرانِ مَعًا مُضَافانِ (٢) إلَيه خَلقًا وإيجادًا، وإِلَى الفاعِلينَ لَهُما مِن عِبادِه فِعلًا واكتِسابًا. هذا قَولُ أبى سُلَيمانَ الخَطابِىِّ رَحِمَه اللَّهُ على الخَبَرِ (٣) .