مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ٨٣
مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا، تحقيق مجدي السيد إبراهيم
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، نا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيًّا،
«يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ»
الغريب
- غريب الحديث لأبي عبيدحيا وقال أبو عبيد: في حديث النبي عليه السلام: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة [الأولى -] إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. قال جرير: معناه أن يريد الرجل أن يعمل الخير فيدعه حياء من الناس كأنه يخاف مذهب الرياء يقول: فلا يمنعك الحياء من المضي لما أردت قال أبو عبيد: والذي ذهب إليه جرير معنى صحيح في مذهبه وهو شبيه بالحديث الآخر: إذا جاءك الشيطان وأنت تصلي فقال: إنك ترائي فزدها طولا. وكذلك قول الحسن: ما أحد أراد شيئا من الخير إلا سار في قلبه سورتان فإذا كانت الأولى منهما لله فلا تهيدنه الآخرة وفي هذا أحاديث والمعنى فيه قائم ولكن الحديث الأول ليس يجيء سياقه ولا لفظه على هذا التفسير ولا على هذا يحمله الناس [و -] إنما وجهه عندي أنه أراد بقوله: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت
حَيا وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: إِن مِمَّا أدْرك النَّاس من كَلَام النُّبُوَّة [الأولى -] إِذا لم تَسْتَحي فَاصْنَعْ مَا شِئْت. قَالَ جرير: مَعْنَاهُ أَن يُرِيد الرجل أَن يعْمل الْخَيْر فيدعه حَيَاء من النَّاس كَأَنَّهُ يخَاف مَذْهَب الرِّيَاء يَقُول: فَلَا يمنعك الْحيَاء من الْمُضِيّ لما أردْت قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ جرير معنى صَحِيح فِي مذْهبه وَهُوَ شَبيه بِالْحَدِيثِ الآخر: إِذا جَاءَك الشَّيْطَان وأنتَ تُصلّي فَقَالَ: إِنَّك تُرائي فزدها طولا. وَكَذَلِكَ قَول الْحسن: مَا أحد أَرَادَ شَيْئا من الْخَيْر إِلَّا سَار فِي قلبه سورتان فَإِذا كَانَت الأولى مِنْهُمَا لله فَلَا تهيدنه الْآخِرَة وَفِي هَذَا أَحَادِيث وَالْمعْنَى فِيهِ قَائِم وَلَكِن الحَدِيث الأول لَيْسَ يَجِيء سِيَاقه وَلَا لَفظه على هَذَا التَّفْسِير وَلَا على هَذَا يحملهُ النَّاس [و -] إِنَّمَا وَجهه عِنْدِي أَنه أَرَادَ بقوله: إِذا لم تَسْتَحي فَاصْنَعْ مَا شِئْت
- وَلَهُ تَأوِيلان(حيا)، ومنه الحديث
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فاصْنَع مَا شِئْتَ» يُقَالُ: اسْتَحْيَا يَسْتَحْيِي، واسْتَحَى يَسْتَحِي، وَالْأَوَّلُ أعْلى وَأَكْثَرُ، وَلَهُ تَأوِيلان: أَحَدُهُمَا ظَاهِرٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ: أَيْ إِذَا لَمْ تَسْتَحِي مِنَ العيْب وَلَمْ تَخْش العارَ مِمَّا تَفْعَلُهُ فَافْعَلْ مَا تُحَدّثُك بِهِ نفْسُك مِنْ أَغْرَاضِهَا حَسَنا كَانَ أَوْ قَبِيحًا، وَلَفْظُهُ أَمْرٌ، وَمَعْنَاهُ توبيخٌ وَتَهْدِيدٌ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الَّذِي يَرْدَع الْإِنْسَانَ عَنْ مُواقعة السُّوءِ هُوَ الحَيَاء، فإذا
- صنع(صنع)، فيه
(هـ) فِيهِ «إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فاصْنَعْ مَا شِئْتَ» هَذَا أمْرٌ يُرَاد بِهِ الخَبَرُ. وَقِيلَ هُوَ عَلَى الوَعِيْدِ والتّهْدِيد، كَقَوْلِهِ تَعَالَى اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وقد تقدَّم مشرُوحا في الحاءِ.