الحديث ابحث في المتون والرواة

البيهقي ٧٢٥٨

السنن الكبرى للبيهقي، ت التركي، ط هجر

٧٢٥٨ - أخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنِى أبو الوَليدِ، حدثنا مُسَدَّدُ بنُ قَطَنٍ، حدثنا داودُ بنُ رُشَيدٍ، حدثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّهَ، حدثنا أيّوبُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبى مُلَيكَةَ قال: كُنتُ جالِسًا إلَى جَنبِ ابنِ عُمَرَ ونَحنُ نَنتَظِرُ جِنازةَ أُمِّ (٣) أبانٍ بنتِ عثمانَ. فذَكَرَ الحديثَ بمَعنَى حَديثِ ابنِ جُرَيجٍ، يُخالِفُه في بَعضِ الألفاظِ، قال أيّوبُ: قال ابنُ أبى مُلَيكَةَ: حَدَّثَنِى القاسِمُ بنُ محمدٍ قال: لَمّا بَلَغَ عائشةَ -رضي الله عنها- قَولُ عُمَرَ وابنِ عُمَرَ قالَت: إنَّكُم لَتُحَدِّثونَ عن غَيرِ كاذِبَينِ ولا مُكَذَّبَينِ، ولَكِنَّ السَّمعَ يُخطِئُ (٤) . رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن داودَ بنِ رُشَيدٍ (٥) . وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بنُ سُلَيمانَ، عن الشّافِعِىِّ رَحِمَه اللَّهُ قال: وما رَوَت عائشَةُ -رضي الله عنها- عن رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أشبَهُ أن يَكونَ مَحفوظًا عنه -صلى الله عليه وسلم- بدَلالَةِ الكِتابِ ثُمَّ السُّنَةِ، فإِن قيلَ: وأَينَ دَلالَةُ الكِتابِ؟ قيلَ: في قَولِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى} . وقَولِه: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: ٣٩] . وقَولِه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: ٧، ٨] وقَولِه: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه: ١٥] . فإِن قيلَ: فأَينَ دَلالَةُ السُّنَّةِ؟ قيلَ: قال رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِرَجُلٍ:

«هَذا ابنُكَ؟ ! قال: نَعَم. قال: " " (١) . فأَعلَمَ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِثلَ ما أعلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ؛ مِن أنَّ جِنايَةَ كُل امرِئٍ عَلَيه، كما عَمَلُه له لا لِغَيرِه ولا عَلَيهِ. قال الشّافِعِيُّ: وعَمرَةُ أحفَظُ عن عائشةَ مِنَ ابنِ أبى مُلَيكَةَ، وحَديثُها أشبَهُ الحديثَينِ أن يَكونَ مَحفوظًا، فإِن كان الحَديثُ على غَيرِ ما رَوَى ابنُ أبى مُلَيكَةَ مِن قَولِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-:»
رسول الله ﷺ، رواه عنه عبد الله بن أبى مليكة

َ مِن قَولِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-: " إنَّهُم لَيَبكونَ عَلَيها وإنَّها لَتُعَذَّبُ في قَبرِها". فهو واضِحٌ لا يَحتاجُ إلَى تَفسيرٍ؛ لأنَّها تُعَذَبُ بالكُفرِ، وهَؤُلاءِ يَبكونَ ولا يَدرونَ ما هِىَ فيهِ. وإِن كان الحَديثُ كما رَوَى ابنُ أبى مُلَيكَةَ فهو صَحيحٌ؛ لأنَّ على الكافِرِ عَذابًا أعَلَى مِنه، فإِن عُذِّبَ بدونِه فزيدَ في عَذابِه فَبِما (٢) استَوجَبَ، وما نيلَ مِن كافِرٍ مِن عَذابٍ أدنَى مِن أعلَى مِنه وما زيدَ عَلَيه مِنَ العَذابِ فبِاستيجابِه لا بذَنبِ غَيرِه في بُكائه عَلَيه، فإِن قيلَ: يَزيدُه عَذابًا ببُكاءِ أهلِه عَلَيه. قيلَ: يَزيدُه بما استَوجَبَ بعَمَلِه ويَكونُ بُكاؤُهُم سَبَبًا لا أنَّه يُعَذَّبُ ببُكائهِم عَلَيه (١) . وفيما بَلَغَنِى عن أبى إبراهيمَ المُزَنِىِّ أنَّه قال: بَلَغَنِى أنَّهُم كانوا يوصونَ بالبُكاءِ عَلَيهِم أو بالنّياحَةِ أو بهِما، وذَلِكَ مَعصيَة، فمَن أمَرَ بها فعُمِلَت بأَمرِه كانَت له ذَنبًا، كما لَو أمَرَ بطاعَةٍ فعُمِلَت بَعدَه كانَت له طاعَةً، فكما يُؤجَرُ بما هو سَبَبٌ له مِنَ الطاعَةِ فكَذَلِكَ يَجوزُ أن يُعَذَّبَ بما هو سَبَبٌ له مِنَ المَعصيَةِ. وبِاللَّهِ التَوفيقُ (٢) .