البيهقي ١٨٨٨٩
السنن الكبرى للبيهقي، ت التركي، ط هجر
١٨٨٨٩ - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ قال: وحَدَّثَنِى يَزيدُ بنُ رومانَ، عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ، قال: وحَدَّثَنِى يَزيدُ بنُ زيادٍ، عن محمدِ بنِ كَعبٍ القُرَظىِّ وعُثمانَ بنِ يَهوذا أحَدِ بَنِى عمرِو بنِ قُرَيظَةَ، عن رِجالٍ مِن قَومِه قالوا: كان الَّذينَ حَزَّبوا الأحزابَ نَفَرٌ مِن بَنِى النَّضيرِ ونَفَرٌ مِن بَنِى وائلٍ، وكانَ مِن بَنى النَّضيرِ حُيَىُّ بنُ أخطَبَ وكِنانَةُ بنُ الرَّبيعِ بنِ أبى الحُقَيقِ وأبو عَمّارٍ، ومِن بَنى وائلٍ حَىٌّ مِنَ الأنصارِ مِن أوسِ اللهِ وحْوَحُ بنُ عمرٍو، ورِجالٌ مِنهُم، خَرَجوا حَتَّى قَدِموا على قُرَيشٍ فدَعَوهُم إلَى حَربِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فنَشِطوا لِذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ القِصَّةَ فى خُروجِ أبى سُفيانَ ابنِ حَربٍ والأحزابِ. قال: وخَرَجَ حُيَىُّ بنُ أخطَبَ حَتَّى أتَى كَعبَ بنَ أسَدٍ صاحِبَ عَقدِ بَنِى قُرَيظَةَ وعَهدِهِم، فلَمّا سَمِعَ به كَعبٌ أغلَقَ حِصنَه دونَه، فقالَ: ويحَكَ يا كَعبُ، افتَحْ لى حَتَّى أدخُلَ عَلَيكَ. فقالَ: ويحَكَ يا حُيَىُّ إنَّكَ امرُؤٌ مَشئومٌ، وإِنَّه لا حاجَةَ لى بكَ ولا بما جِئتَنِى به، إنِّى لَم أرَ مِن محمدٍ إلَّا صِدقًا ووَفاءً، وقَد وادَعَنِى ووادَعتُه فدَعنى وارجِعْ عَنِّى. فقالَ: واللهِ إنْ غَلَّقتَ دونِى إلَّا عن جَشيشَتِكَ (٢) أن آكُلَ مَعَكَ مِنها. فأَحفَظَه (١) ، ففَتَحَ له فلَمّا دَخَلَ عَلَيه قال له: ويحَكَ يا كَعبُ، جِئتُكَ بعِزِّ الدَّهرِ؛ بقُرَيشٍ مَعَها قادَتُها حَتَّى أنزَلتُها برومَةَ، وجِئتُكَ بغَطَفانَ على قادَتِها وسادَتِها حَتَّى أنزَلتُها إلَى جانِبِ أُحُدٍ، جِئتُكَ ببَحرٍ طامٍّ (٢) لا يَرُدُّه شَئٌ. فقالَ: جِئتَنِى واللهِ بالذُّلِّ، ويلَكَ فدَعْنِى وما أنا عَلَيه؛ فإِنَّه لا حاجَةَ لِى بكَ ولا بما تَدعونِى إلَيه. فلَم يَزَلْ حُيَىُّ بنُ أخطَبَ يَفتِلُه فى الذِّروَةِ والغارِبِ (٣) حَتَّى أطاعَ له وأَعطاه حُيَىٌّ العَهدَ والميثاقَ؛ لَئن رَجَعَت قُرَيشٌ وغَطَفانُ قبلَ أن يُصيبوا محمدًا لأدخُلَنَّ مَعَكَ فى حِصنِكَ حَتَّى يُصيبَنِى ما أصابَكَ. فنَقَضَ كَعبٌ العَهدَ وأَظهَرَ البَراءَةَ مِن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وما كان بَينَه وبَينَه. قال ابنُ إسحاقَ: حَدَّثَنِى عاصِمُ بنُ عُمَرَ بنِ قَتادَةَ قال: لما بَلَغَ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- خَبَرُ كَعبٍ ونَقضُ بَنِى قُرَيظَةَ بَعَثَ إلَيهِم سَعدَ بنَ عُبادَةَ وسَعدَ بنَ مُعاذٍ وخَوّاتَ بنَ جُبَيرٍ وعَبدَ اللهِ بنَ رَواحَةَ ليَعلَموا خَبَرَهُم، فلَمّا انتَهَوا إلَيهِم وجَدوهُم على أخبَثِ ما بَلغَهُم. قال ابنُ إسحاقَ: حَدَّثَنِى عاصِمُ بنُ عُمَرَ بنِ قَتادَةَ عن شَيخٍ مِن بَنِى قُرَيظَةَ. فذَكَرَ قِصَّةَ سَبَبِ إسلامِ ثَعلَبَةَ وأَسيدٍ ابنَى سَعيَةَ وأَسَدِ بنِ عُبَيدٍ ونُزولِهِم عن حِصنِ بَنِى قُرَيظَةَ، وإِسلامِهِم، وخَرَجَ فى تِلكَ اللَّيلَةِ فيما زَعَمَ ابنُ إسحاقَ عمرُو بنُ سَعدِىٍّ القُرَظىُّ، فمَرَّ بحَرَسِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وعَليه محمدُ ابنُ مَسلَمَةَ تِلكَ اللَّيلَةَ، فلَمّا رآه قال: مَن هَذا؟ قال: أنا عمرُو بنُ سَعدِىٍّ، وكانَ عمرٌو قَد أبَى أن يَدخُلَ مَعَ بَنِى قُرَيظَةَ فى غَدرِهِم، وقالَ: لا أغدِرُ بمُحَمَّدٍ أبَدًا. فقالَ محمدُ بنُ مَسلَمَةَ حينَ عَرَفَه: اللَّهُمَّ لا تَحرِمْنِى عَثَراتِ الكِرامِ. ثُمَّ خَلَّى سَبيلَه فخَرَجَ حَتَّى باتَ فى مَسجِدِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تِلكَ اللَّيلَةَ، ثُمَّ ذَهَبَ فلَم يُدرَ أينَ ذَهَبَ مِنَ الأرضِ، فذُكِرَ شأنُه لِرسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقالَ:
«ذَلِكَ رَجُلٌ نَجّاه اللهُ بوَفائه»
(١) . وذَكَرَ موسَى بنُ عُقبَةَ فى هذه القِصَّةِ: أن حُييًّا لَم يَزَل بهِم حَتَّى شأمَهُم (٢) ، فاجتَمَعَ مَلَؤُهُم على الغَدرِ على أمرِ رَجُلٍ واحِدٍ، غَيرَ أسَدٍ وأَسيدٍ وثَعلَبَةَ، خَرَجوا إلَى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- (٣) .