البيهقي ١٨٠٤٦
السنن الكبرى للبيهقي، ت التركي، ط هجر
١٨٠٤٦ - وأخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحَسَنِ القاضِى قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، حَدَّثَنِى يَزيدُ بنُ رُومانَ، عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ قال: بَعَثَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عبدَ اللهِ بنَ جَحشٍ إلَى نَخلَةَ، فقالَ له:
«كُنْ بها حَتَّى تأتيَنا بخَبَرٍ من أخبارِ قُرَيشٍ" "اخرُج أنتَ وأَصحابُكَ، حَتَّى إذا سِرتَ يَومَينِ فافتَحْ كِتابَكَ وانظُرْ فيه، فما أمَرتُكَ به فامضِ له، ولا تَستَكرِهَنَّ أحَدًا مِن أصحابِكَ على الذَّهابِ مَعَكَ" "أن امضِ حَتَّى تَنزِلَ نَخلَةَ فتأتيَنا مِن أخبارِ قُرَيشٍ بما يَصلُ إلَيكَ مِنهُم" "واللهِ ما أمَرتُكُم بالقِتالِ فى الشَّهرِ الحَرامِ»
َ الكِتابَ فإِذا فيه: "أن امضِ حَتَّى تَنزِلَ نَخلَةَ فتأتيَنا مِن أخبارِ قُرَيشٍ بما يَصلُ إلَيكَ مِنهُم" . فقالَ لأصحابِه حينَ قرأَ الكِتابَ: سَمعٌ وطاعَةٌ، مَن كان مِنكُم له رَغبَةٌ فى الشَّهادَةِ فليَنطَلِقْ مَعِى؛ فإِنِّى ماضٍ لأمرِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، ومَن كَرِهَ ذَلِكَ مِنكُم فليَرجِعْ؛ فإِنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَد نَهانى أن أستَكرِهَ مِنكُم أحَدًا. فمَضَى مَعَه القَومُ، حَتَّى إذا كان ببَحرانَ أضَلَّ سَعدُ بنُ أبى وقّاصٍ وعُتبَةُ بنُ غَزوانَ بَعيرًا لَهُما كانا يَعتَقِبانِه، فتَخَلَّفا عَلَيه يَطلُبانِه، ومَضَى القَومُ حَتَّى نَزَلوا نَخلَةَ، فمَرَّ بهِم عمرُو بنُ الحَضرَمِىِّ والحَكَمُ بنُ كَيسانَ وعُثمانُ والمُغيرَةُ ابنا عبدِ اللهِ مَعَهُم تِجارَةٌ قَدِموا بها مِنَ الطّائفِ أدَمٌ وزَبيبٌ، فلَمّا رآهُمُ القَومُ أشرَفَ لَهُم واقِدُ بنُ عبدِ اللهِ وكانَ قَد حَلَقَ رأسَه، فلَمّا رأوه حَليقًا قالوا: عُمّارٌ، لَيسَ عَلَيكُم مِنهُم بأسٌ، وائتَمَرَ (١) القَومُ بهِم -يَعنِى أصحابَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-- فى آخِرِ يَومٍ مِن رَجَبٍ فقالوا: لَئن قَتَلتُموهُم إنَّكُم لَتَقتُلونَهُم فى الشَّهرِ الحَرامِ، ولَئن تَرَكتُموهُم لَيَدخُلُنَّ فى هذه اللَّيلَةِ الحَرَمَ، فليَمتَنِعُنَّ مِنكُم. فأَجمَعَ القَومُ على قَتلِهِم، فرَمَى واقِدُ بنُ عبدِ اللهِ التَّميمِىُّ عمرَو بنَ الحَضرَمِىِّ بسَهمٍ فقَتَلَه، واستأسَرَ عثمانُ بنُ عبدِ اللهِ والحَكَمُ بنُ كَيسانَ، وهَرَبَ المُغيرَةُ فأَعجَزَهُم، واستاقوا العيرَ، فقَدِموا بها على رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقالَ لَهُم: "واللهِ ما أمَرتُكُم بالقِتالِ فى الشَّهرِ الحَرامِ" . فأوقَفَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الأسيرَينِ والعيرَ، فلَم يأخُذْ مِنها شَيئًا، فلَمّا قال لَهُم رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ما قال أُسقِطَ فى أيديهِم، وظَنّوا أن قَد هَلَكوا، وعَنَّفَهُم إخوانُهُم مِنَ المُسلِمينَ، وقالَت قُرَيشٌ حينَ بَلَغَهُم أمرُ هَؤُلاءِ: قَد سَفَكَ محمدٌ الدَّمَ فى الشَّهرِ الحَرامِ، وأَخَذَ فيه المالَ، وأَسَرَ فيه الرِّجالَ، واستَحَلَّ الشَّهرَ الحَرامَ. فأَنزَلَ اللهُ تَعالَى فى ذَلِكَ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} يقولُ: الكُفرُ باللهِ أكبَرُ مِنَ القَتلِ. فلَمّا نَزَلَ ذَلِكَ أخَذَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- العيرَ وفَدَى الأسيرَينِ، فقالَ المُسلِمونَ: أتَطمَعُ لَنا أن تَكونَ غَزوَةً؟ فأَنزَلَ اللهُ فيهِم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} إلَى قَولِه: {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} إلَى آخِرِ الآيَةِ [البقرة: ٢١٨] ، وكانوا ثَمانيَةً، وأَميرُهُمُ التّاسِعُ عبدُ اللهِ بنُ جَحشٍ (١) .