البيهقي ١٦٨٠٩
السنن الكبرى للبيهقي، ت التركي، ط هجر
١٦٨٠٩ - ورَوَى الشّافِعِيُّ وغَيرُه عن سُفيانَ بنِ عُيَينَةَ، عن ابنِ شِهابٍ، أن عُمَرَ بنَ الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال لأبِي بكرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ألَيسَ قَد قال رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
«أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقولوا: لا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فإِذا قالوها عَصَموا مِنِّي دِماءَهُم وأموالَهُم إِلَّا بحَقِّها، وحِسابُهُم على اللَّهِ" "إِلَّا بحَقِّها»
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هذا مِن حَقِّها، لا تُفَرِّقوا بَينَ ما جَمَعَ اللهُ، لَو مَنَعونِي عَناقًا (٣) مِمَّا أَعطَوا رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاتَلتُهُم عَلَيهِ. أخبرَناه أبو زَكَريّا بنُ أبي إسحاقَ المُزَكِّي، حَدَّثَنَا أبو العباسِ محمدُ بن يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بن سُلَيمانَ، أخبرَنا الشَّافِعِيُّ، أخبرَنا سفيانُ. فذَكَرَه، إلَّا أنَّه سَقَطَ مِنه قَولُه: لا تُفَرِّقوا بَينَ ما جَمَعَ اللهُ (٤) . قال الشيخُ الإمامُ رَحِمَه اللَّهُ: واحتَجَّ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في هذا الحَديثِ بشَيئَينِ (٥) ؛ أحَدُهُما: أن قال: قَد قال النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِلَّا بحَقِّها" . وهَذا مِن حَقِّها. والآخَرُ: أن قال: لا تُفَرِّقوا بَينَ ما جَمَعَ اللَّهُ. قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَه اللَّهُ: يَعنِي، فيما أرَى واللَّهُ أعلمُ، أنَّه مُجاهِدُهُم على الصلاةِ وأنَّ الزَّكاةَ مِثلُها. قال الشّافِعِيُّ: ولَعَلَّ مَذهَبَه فيه أن اللَّهَ يقولُ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: ٥] ، وأنَّ اللَّهَ فرَضَ عَلَيهِم شَهادَةَ الحَقِّ والصِّلاةَ والزَّكاةَ، وأنَّه مَتَى مَنَعَ فرضًا قَد لَزِمَه لَم يُترَكْ ومَنْعَه حَتَّى يُؤَدِّيَه أو يُقتَلَ (١) . قال الشيخُ رَحِمَه اللَّهُ: وأمّا قَولُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فواللهِ ما هو إلَّا أنِّي رأيتُ اللَّهَ قَد شَرَحَ صَدرَ أبي بكرٍ لِلقِتال، فعَرَفتُ أنَّه الحَقُّ. يُريدُ: أنَّه انشِراحُ (٢) صَدرِه بالحُجَّةِ التي أدلَى بها، والبُرهانِ الَّذِي أقامَه. وقالَ بَعضُ أئمَّتِنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: قَد وقَعَ اختِصارٌ في رِوايَةِ هذا الحَديث، وقَد صَحَّ عن النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِن أوجُهٍ كَثيرَةٍ أنَّه أمَرَ بالقِتالِ على الشَّهادَتَين، وعَلَى إقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، فأبو بكرٍ الصِّدّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّما قاتَلَ مانِعِي الزَّكاةِ بالنَّصِّ مَعَ ما ذَكَرَ مِنَ الدَّلالَة، وعُمَرُ بن الخطابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّما سَلَّمَ ذَلِكَ له حينَ قامَت عَلَيه الحُجَّةُ بما رَوَى فيه مِنَ النَّصِّ وذَكَرَ فيه مِنَ الدَّلالَة، لا أنَّه قَلَّدَه فيهِ.